فخر الدين الرازي

38

النبوات وما يتعلق بها

كلّ شيء . فلما ذا يا أهل الكتاب تستبعدون النسخ ، وأنتم تقرون بفضل اللّه وبرحمته ؟ أليست شريعتكم ناسخة لما كان من قبل ؟ أوليس واحد من السابقين لو كان مجادلا لرفض شريعتكم ، اكتفاء بما تركه نوح من قبل ، لو جادلكم للرفض ، أما كنتم تحتجون بقولكم : ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء ؟ فلما ذا تستبعدون النسخ اذن ؟ . بولس يعترف بنسخ الشرائع : وواقع الحال شاهد على أهل الكتاب بوقوع النسخ . فلما ذا يستبعدون ؟ فان يوم السبت مقدس عند اليهود بنص التوراة . والنصارى نسخوا حرمة السبت ، وقدسوا يوم الأحد لأن المسيح - كما يزعمون - قام من القبر ، وارتفع منه إلى السماء في يوم الأحد ، ولما جادلهم اليهود في شأن السبت ، قال لهم بولس : « فلا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت . . . الخ » [ كولوسى 2 : 16 ] لقد أباح المحرم من المأكل والمشرب والغى سنن الأعياد ومواقيت الأهلة وما كان محرما في السبت من الأعمال قد أحله بولس . فلما ذا يستبعدون النسخ . وحالهم شاهد عليهم ؟ النسخ في الشرائع وليس في العقائد : ولقد قلنا : ان النسخ واقع في الأحكام والقوانين على معنى « أفعل » أو « لا تفعل » أي « افعل » الأعمال المعتادة في غير يوم السبت ، و « لا تفعل » الأعمال المعتادة في يوم السبت مثلا ، وهكذا . ولا نقول : ان النسخ واقع في العقائد أو في القصص . فعقيدة « وحدانية اللّه وتنزيهه » صرح بها الأنبياء والمرسلون ، كما قال تعالى : « ما يُقالُ لَكَ : إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ » [ فصلت 43 ] وقصة « موسى وفرعون » مثلا ، خبر عن واقع قد مضى ، وسجل في علم اللّه ، فلا ينسخ ولا يغير . وإذا وجد اختلاف في بعض أحداث هذه القصة بين التوراة وبين القرآن . فمرده إلى أن أهل الكتاب قد نسوا حظا مما ذكروا به ، وقد حرفوا وبدلوا . أقانيم النصارى : ولئن سأل سائل : إذا كانت العقيدة لم تنسخ على يد نبي أو رسول